ابن حجر العسقلاني

399

فتح الباري

الدنيا في الصمت وفى سنده ضعف وقد يقول ما لا يتحققه مما لا سبيل له إلى الاطلاع عليه ولهذا قال صلى الله عليه وسلم فليقل احسب وذلك كقوله انه ورع ومنق وزاهد بخلاف ما لو قال رايته يصلى أو يحج أو يزكن فإنه يمكنه الاطلاع على ذلك ولكن تبقى الآفة على الممدوح فإنه لا يأمن ان يحدث فيه المدح كبرا أو اعجابا أو يكله على ما شهره به المادح فيفتر عن العمل لان الذي يستمر في العمل غالبا هو الذي يعد نفسه مقصرا فان سلم المدح من هذه الأمور لم يكن به باس وربما كان مستحبا قال ابن عيينة من عرف نفسه لم يضره المدح وقال بعض السلف إذا مدح الرجل في وجهه فليقل اللهم اغفر لي ما لا يعلمون ولا تؤاخذني بما يقولون واجعلني خيرا مما يظنون أخرجه البيهقي في الشعب ( قوله باب من اثنى على أخيه بما يعلم ) أي فهو جائز ومستثنى من الذي قبله والضابط ان لا يكون في المدح مجازفة ويؤمن على الممدوح الاعجاب والفتنة كما تقدم ( قوله وقال سعد ) هو ابن أبي وقاص وقد تقدم الحديث المذكور موصولا في مناقب عبد الله بن سلام من كتاب المناقب ثم ذكر فيه حديث ابن عمر موصولا في قصة جر الإزار فقال أبو بكر ان إزاري يسقط من أحد شقيه قال إنك لست منهم وقد تقدم ابسط من هذا في كتاب اللباس وفى لفظ انك لست ممن نفعل ذلك خيلاء وهذا من جملة المدح لكنه لما كان صدقا محضا وكان الممدوح يؤمن معه الاعجاب والكبر مدح به ولا يدخل ذلك في المنع ومن جملة ذلك الأحاديث المتقدمة في مناقب الصحابة ووصف كل واحد منهم بما وصف به من الأوصاف الجميلة كقوله صلى الله عليه وسلم لعمر ما لقيك الشيطان سالكا فجا الا سلك فجا غير فجك وقوله للأنصاري عجب الله من صنعكما وغير ذلك من الاخبار ( قوله باب قول الله تعالى ان الله يأمر بالعدل والاحسان الآية ) كذا الابي ذر والنسفي وساق الباقون إلى تذكرون وأخرج البخاري في الأدب المفرد من طريق أبى الضحى قال قال شتير بن شكل لمسروق حدث يا أبا عائشة وأصدقك قال هل سمعت عبد الله بن مسعود يقول ما في القرآن آية أجمع لحلال وحرام وامر ونهى من هذه الآية ان الله يأمر بالعدل والاحسان وايتاء ذي القربى قال نعم وسنده صحيح ( قوله وقوله انما بغيكم على أنفسكم ) أي ان اثم البغى وعقوبة البغى على الباغي اما عاجلا واما آجلا ( قوله وقوله ثم بغى عليه لينصرنه الله ) كذا في رواية كريمة والأصيلي على وفق التلاوة وكذا في رواية النسفي وأبي ذر وللباقين ومن بغى عليه وهو سبق فلم اما من المصف واما ممن بعده كما أن المطابق للتلاوة اما من المصنف واما من اصلاح من بعده وإذا لم تتفق الروايات على شئ فمن جزم بان الوهم من المصنف فقد تحامل عليه قال الراغب البغى مجاوزة القصد في الشئ فمنه ما يحمد ومنه ما يذم فالمحمود مجاوزة العدل الذي هو الاتيان بالمأمور بغير زيادة فيه ولا نقصان منه إلى الاحسان وهو الزيادة عليه ومنه الزيادة على الفرض بالتطوع المادون فيه والمذموم مجاوزة العدل إلى الجور والحق إلى الباطل والمباح إلى الشبهة ومع ذلك فأكثر ما يطلق البغى على المذموم قال الله تعالى انما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق وقال تعالى انما بغيكم على أنفسكم وقال تعالى فمن اضطر غير باغ ولا عاد وإذا اطلق البغى وأريد به المحمود يزاد فيه غالبا التاء كما قال تعالى فابتغوا عند الله الرزق وقال تعالى